أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

130

عجائب المقدور في نوائب تيمور

بقطع رؤوس القتلى ، وان يجعل منها قبة إقامة لحرمته ، على جاري عادته ، ففهموا منه غير ما أراد ، وإنه قد أطلقكم ، فأمضوا حيث شئتم . وركب تمرلنك من ساعته ، وتوجه نحو دمشق ، فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها ، وأخذ الأمير موسى - أحسن الله إليه - في الإحسان إلينا ، وقبول شفاعتنا ، وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها ، وتجينا الأخبار أن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق وأنه كسر تمرلنك ، ومرة تجيء بالعكس ، إلى أن انجلت القضية عن توجه السلطان إلى مصر ، بعد أن قاتل مع تمرلنك قتالا عظيما ، أشرف تمرلنك منه على الكسر والهزيمة ، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة ، كان سبب توجهه آخذا بالحزم ، ودخل تمرلنك إلى دمشق ، ونهبها وأحرقها ، وفعل فيها فوق ما فعل بحلب ، ولم يدخل طرابلس ، بل أحضر له منها مال ولا جاوز فلسطين . وعاد نحو حلب راجعا طالبا بلاده ، ولما كان سابع عشر شعبان من السنة المذكورة ، وصل تمرلنك عائدا من الشام إلى الجبول شرقي حلب ، ولم يدخلها ، بل أمر المقيمين بها من جهته بتخريبها ، وإحراق المدينة ، ففعلوا وطلبني الأمير عز الدين ، وكان من أكبر أمرائه ، وقال : إن الأمير رسم بإطلاقك وإطلاق من معك فاطلب من شئت ، وكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين ، وأقيم عندكم ، حتى لا يبقى من عسكرنا أحد ، وكان القاضي شرف الدين لا يفارقني ، فطلبنا باقي القضاة ، واجتمع معنا نحو من ألفي مسلم ، وتوجهنا إلى مشهد الحسين صحبة المشار إليه ، وأقمنا ننظر إلى النار ، وهي تضرم في أرجائها ، وبعد ثلاثة أيام لم يبق بها أحد ، فنزلنا إليها ، فلم نر بها أحد ، فاستوحشنا ، وما قدرنا على الإقامة بها من النتن والوحشة ، ولم نقدر على السلوك في الطرقات من ذلك . شعر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر